ابن حزم
549
الاحكام
وهو من الاثنين أبعد فلو أراد الدين ، لكان المنفرد بقوله مصاحبا للشيطان ، فإن استضاف إليه آخر بعد عنه الشيطان ، فعاد الباطل حقا بدخول إنسان فيه ، وهذا باطل متيقن ليست هذه صفة الدين ، بل الباطل باطل ، وإن دخل فيه آلاف فصح بلا شك أنه لم يرد الدين ، ولا عموم التوحيد بكل حال فقد صح أنه إنما عنى خاصا من الأحوال بلا شك . فإذا ذلك كذلك فلا يجوز أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد حال كذلك إلا بنص صحيح عنه بذلك ، وإن الناسب إليه صلى الله عليه وسلم ما لم يقل كاذب عليه ، وقد أخبر عليه السلام ، أنه من كذب عليه فليتبوأ مقعده من النار . فإذا كان الامر كما قلنا يقينا ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي أن يسافر المرء وحده ، وفي تلك الأخبار أنفسها ، لا ينفرد رجل مع امرأة فإن الشيطان ثالثهما ، فنحن على يقين من أنه ههنا نهي عن الوحدة ، وأن الشيطان ههنا مع الواحد ، فإن كان اثنين فقد خرج عن النهي ، وبعد الشيطان عنهما ، فبطل التعلق بتلك الآثار فيما ذهب إليه من ذهب ، وأن خلاف الواحد لا يعد خلافا . واعلموا أنه لا يمكن البتة ، للحنفيين ولا المالكيين ولا الشافعيين ، أن يحتجوا بشئ من ذلك الأثر ، لان خلاف الواحد عندهم خلاف إلا من شذ منهم من مذاهب أصحابه ، وقد قلنا إننا أخرجنا لكل واحد من أبي بكر ومالك والشافعي مئين من المسائل انفرد كل واحد منهم بقوله فيها ، عن أن يعرف أحد قبله قاله بذلك القول . وبرهان ضروري أيضا ، هو أنه قد بينا أن له لو صح ذلك القول عن النبي صلى الله عليه وسلم لعلمنا أنه لم يرد بذلك الدين أصلا ، لان اليهود والنصارى والمجوس والملحدين ثم الرافضة والمعتزلة والمرجئة والخوارج ، جماعات عظيمة ، فالشيطان بعيد عنهم ومجانب لهم ، لأنهم أكثر من واحد ، يأبى الله تعالى هذا ، وتالله ما عش الشيطان ولا بحبوحته إلا فيهم ، وبلا شك أن أهل الباطل كلما كثروا فإن الشيطان أقوى فيهم منه مع المنفرد . نا محمد بن سعيد بن نبات ، نا أحمد بن عبد البصير ، نا قاسم بن أصبغ ، نا محمد بن عبد السلام الخشني ، نا محمد بن المثنى ، نا مؤمل بن إسماعيل البصري ، نا سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن أبجر ، عن طلحة بن مصرف ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : ربع السودان من لا يلبس الثياب ، أكثر من جميع الناس . فصح بكل هذا - يقينا لا مجال للشك فيه - أنه لا يرد قط بذلك الدين ، وبالله تعالى التوفيق . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى في تلك الأخبار على أصحابه ، وعلى قرن التابعين ، ثم على القرن الثالث . فإذا أثنى عليهم فهم الجماعة التي لا ينبغي أن تخالف ، وكل من خالفهم فهو أهل الباطل ، ولو كانوا أهل الأرض تلك القرون الثلاثة هي التي لم تقلد أحدا ،